كلمة رئيس الوقف.. الأستاذ موفَّق شيخ إبراهيم

الحمد للهِ الحميدِ بذاته الذي يستحِّق الحمدَ قبل أن يحمده الخلقُ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى وبعد:

من المعلوم أنَّ لكلِّ شريعةٍ مقصداً تتطلَّع إليه، وهدفاً تنشده، وغايةً ترنو إليها، وذلك من خلال ما تحملُهُ وتقدِّمه للناس من قيمِها ومبادئها وتشريعاتها، وما تحملهم عليه من سلوكٍ يرقى بهم وينهض بفكرهم ونفوسهم، وكذلك بما تكلّفهُّم به من واجباتٍ وفرائضَ ومندوباتٍ وحوافزَ، وما تضمِّنه وتكرسُّه لهم من ثمراتٍ ومكتسباتٍ.

ولقد تميّز الإسلام عن باقي الشرائع بتقريره لمقاصده السامية، وتأكيده عليها وتعزيزه لأهميتها من خلال النصوص، فحرص أن تكون أحكامه التشريعية، وسيلةً معطاءةً لتحقيق مقاصد منهجه القويم، ليؤكِّد دوره كرسالةٍ عالميةٍ شاملةٍ لكل الناس.

ومن هذه المقاصد التي تقوم المؤسَّسات الوقفية بتحقيقها، التشجيع على العلم والتعليم، بإنشاء المدارس والمكتبات ودور العلم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها، وبنشر ثقافة الإسلام، وبناء صرحٍ علميٍّ تربويٍّ متينٍ يؤكِّد دوره العالميَّ ويعزِّز موقعه الحضاريَّ المتقدّم بين الأمم، ولقد ساهمت هذه المؤسَّسات في العالم الإسلامي وبشكلٍ مباشرٍ وبطريقةٍ مدروسةٍ وبعنايةٍ فائقةٍ، في تلبية هذا الواجب المفروض لتحقيق مقصد الشريعة الإسلامية من خلاله، ألا وهو تنوير العقول وشرح الصدور وتنمية الفكر وتوعية البصيرة وتجنيب النفوس شرَّ الجهل. ولذلك بُنِيَتِ المدارس ودُور العلم والتعليم، وشُيِّدَتِ المكتبات العامَّة والخاصَّة، وعُنِيَ بالكتب والمخطوطات والمراجع، وأُنْفِقَ على العلماء وطلبة العلوم من أموال الأوقاف، وخُصِّصَ لهم منها رواتبُ وأجورٌ، وصُرِفَ لهم ما يعينهم على بلوغ مراميهم في التعلُّم والبحث والتأليف والطبع والنشر.

إذن يعدُّ الوقف من الأسباب التي عملت على استمرار قيام الحضارة الإسلامية عبر تاريخها، في وقتٍ كانت الأمَّة في أحسن حالةٍ من القوة والسيادة؛ وحاضر المسلمين اليوم يفتقر إلى تلك التجربة التاريخية الثريَّة، لإعادة تفعيلها من جديدٍ بشكلٍ يتناسب مع متطلبات العصر ومتغيِّرات الزمن، مترافقاً هذا الشكل ومتناغماً مع ثوابتنا الدينية حيث لا نحيد عنها قيد أنملة ولا أقلَّ من ذلك، ممَّا يؤدي إلى إعادة الاعتبار والفعالية والحيوية لنظام الوقف الإسلاميِّ، ودوره في تنمية المجتمع.

يمثِّل الوقف مؤسَّسةً اجتماعيةً لا تنتمي إلى قطاَّع عام ولا قطاَّع خاص، بل هي قطَّاع قائم بذاته، فعلى المسلمين أن يشجِّعوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، في تنشيط مؤسَّسات الوقف، وأن يسهموا فيها.

وتكريساً لمبدأ الإسلام في الدعوة إلى رسالته بالحكمة والموعظة الحسنة، فلقد ساهمت هذه المؤسَّسات الوقفية المخصَّصة لهذه الغاية بفاعليةٍ ملحوظةٍ، في تحقيق نموٍّ مضَّطردٍ ونشاطٍ متزايدٍ للدعوة إلى الإسلام، ونتمنّى أن تتَّجه أنظار المؤسَّسات الوقفية إلى تعزيز هذا الدور الرائد.

ولا يخفى أنَّ من أفضل القربات إلى الله، وأجلِّ الخدمات التي يقدمها المسلم في حياته الدنيا وذخراً ورصيداً لحياته الأخرى، هي خدمة القرآن الكريم وإيصال رسائله إلى الآخرين.

العمل على تحضير أناسٍ يعتنون بالقرآن حفظاً ودراسة وفهماً، ثروةٌ للأمَّة وفخرٌ لا يضاهيه فخٌر سواه، أملنا فيهم أن يجمعوا بين الحفظ والعمل، والحفاظ على الحروف والوقوف عند الحدود، كي ما يصيروا مصاحف تمشي على الأرض، ويحافظوا على السنَّة والفرض، بحبل الله معتصمين، وعلى ربهم متوكلين، ومنه خائفين، وإليه منيبين.

أخي المسلم، ساهم معنا في أول وقفٍ تشاركيٍّ للقرآن الكريم وعلومه، في ولاية هاتاي التركية.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.

شارك هذه الصفحة: